ترى هيذر هيرلبورت، الزميلة المشاركة في برنامج الولايات المتحدة والأميركتين، أن الهجوم الأميركي على فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو يشكّلان لحظة كاشفة لطبيعة المرحلة الجديدة في سياسة دونالد ترامب الخارجية، وتحديدًا في ولايته الثانية. توضح الكاتبة أن ردود الفعل الغربية الخافتة لا تعكس رضا بقدر ما تعكس رغبة عميقة لدى الحلفاء في تجنب الصدام مع واشنطن، رغم إدراكهم أن هذا النهج لم يعد قابلًا للاستمرار.

 

يشير المقال المنشور على موقع تشاتام هاوس إلى أن حكومات غربية كثيرة اعتقدت حتى أواخر 2025 أن أسوأ مخاوفها من عودة ترامب لم تتحقق بعد، خاصة مع استمرار دعم أوكرانيا، وبقاء حلف الناتو فاعلًا، وتجنب حرب تجارية شاملة، ما خلق وهمًا بإمكانية “إدارة” العلاقة مع واشنطن.

 

ما بعد وهم التعايش

 

تؤكد هيرلبورت أن التطورات مع مطلع 2026، وعلى رأسها عملية كاراكاس، نسفت فكرة الحفاظ على إيقاع مستقر في التعامل مع إدارة ترامب. فالهجوم لم يكن حدثًا معزولًا، بل جاء ضمن سلسلة خطوات تكشف سعي الإدارة الأميركية لإعادة تشكيل النظام الدولي، بل والتأثير المباشر في المجتمعات السياسية والثقافية لحلفائها.

 

تستشهد الكاتبة بقرار واشنطن فرض عقوبات على مفوض أوروبي سابق بسبب دوره في تطبيق قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، واعتبار شخصيات أوروبية “رموزًا للرقابة العالمية”، في سابقة تصفها بأنها تعبير صارخ عن تدخل غير مسبوق في الشؤون القانونية الداخلية لحلفاء ديمقراطيين.

 

السيادة الأوروبية على المحك

 

توضح الكاتبة أن تردد الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في التشكيك بشرعية الضربات الأميركية على فنزويلا لا يهدد القانون الدولي فقط، بل يمس السيادة الأوروبية ذاتها. فتصريحات ترامب عن جرينلاند، باعتبارها جزءًا من “المستقبل الأميركي”، جاءت بعد ساعات من هجوم كاراكاس، ما أعاد طرح أسئلة خطيرة حول حدود احترام واشنطن لسيادة حتى أقرب حلفائها.

 

ترى هيرلبورت أن بعض الدول تحركت بشكل منفرد للرد، مثل تصريحات رئيس الوزراء البريطاني ووزراء خارجية فرنسا وألمانيا، لكنها تحذر من أن غياب موقف مؤسسي موحد يعزز قناعة واشنطن بأن الاتحاد الأوروبي والناتو كيانات ضعيفة التأثير.

 

معركة القيم والسياسة الداخلية

 

تشدد الكاتبة على أن الخطر لا يقتصر على الجغرافيا أو الأمن، بل يمتد إلى المجال الثقافي والاجتماعي. فإدارة ترامب، بحسب المقال، تسعى لفرض تصورها الخاص لحرية التعبير، بما يخدم مصالح شركات التكنولوجيا الأميركية، وتضغط على الحلفاء لإعادة تشكيل سياساتهم الرقمية والقانونية بما يتماشى مع نموذج “ماغا”.

 

توضح هيرلبورت أن باحثي تشاتام هاوس لاحظوا خلال زيارات لعواصم أوروبية في 2024 أن الحكومات ركزت على التحديات الأمنية والاقتصادية، وأهملت البعد الثقافي والأيديولوجي لمشروع ترامب، أو افترضت خطأ أن قوى يمينية محلية قادرة على احتواء هذا التأثير.

 

تخلص الكاتبة إلى أن التحدي الأكبر في 2026 لن يكون فقط تقليص التزامات واشنطن الأمنية، بل إصرارها على دفع الحلفاء للاصطفاف خلف سياساتها الداخلية، من حوكمة التكنولوجيا إلى القيم الاجتماعية وسيادة القانون. وترى أن السياسات الأوروبية لا بد أن تنطلق أولًا من المصالح الجوهرية للمجتمعات الأوروبية نفسها، لا من محاولة استرضاء واشنطن، لأن ما يجري لم يعد خلافًا تقنيًا في السياسة الخارجية، بل صراعًا على شكل النظام الديمقراطي وحدود السيادة في عالم متغير.

 

https://www.chathamhouse.org/2026/01/trumps-venezuela-attack-should-serve-warning-even-us-allies